الراغب الأصفهاني
648
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
كلبا ينبح دونهم ، فإن كان خيرا أشركوه وإن كان شرا تقلّده دونهم . مشاركة الرفيق في المركوب والزّاد قال ابن مسعود : كنّا يوم بدر ثلاثة على بعير ، وكان أمير المؤمنين وأبو لبابة زميلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإذا دارت عقبتهما . قالا : يا رسول اللّه اركب ونمشي عنك ، فيقول : ما أنتما بأقوى منّي وما أغنى بالأجر منكما . وقال حاتم : إذا كنت ربّا للقلوص فلا تدع * رفيقك يمشي خلفه غير راكب أنخها وأردفه فإن حملتكما * فذاك وإن كان العقاب فعاقب وقال آخر : إذا ما خليلي ظلّ ينسل خلفها * وفي ناقتي فضل فلا حملت رجلي ولم يك من زادي له مثل مزودي * فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا رحل حمد الإيغال « 1 » في السّير والتبجّح به قيل لرجل : كيف كان سيرك ؟ قال : كنت آكل الوجه ، وأغرس إذا أسحرت ، وأرتحل إذا أسفرت ، فأسير الموضع وأجتنب الملمع . فجئتكم بمشي سبع . وسار ذكوان من مكة في يوم وليلة ، فقدم على أبي هريرة وهو خليفة مروان على المدينة فصلّى العتمة فقال له أبو هريرة : حاج غير مقبول منه . فقال : لمه ؟ فقال : لأنك نفرت قبل الزوال فأخرج كتاب مروان مؤرّخا بعد الزوال . وحذيفة بن بدر أغار على هجاء بن المنذر بن ماء السماء فسار في ليلة مسير ثمان ، وفيه يقول قيس بن الحطيم : هممنا بالإقامة ثمّ سرنا * مسير حذيفة الخير بن بدر ذمّ الإيغال في السّير في الحديث : إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى . وفي الحديث : خير الأمور أوساطها . وشرّ السير الحفحفة . قال المرار : نقطع بالنّزول الأرض عنّا * وبعد الأرض يقطعه النزول الشاحب اللون لسفره يقال : فلان رجيع سفر ، ووقيد سهر ، وقال المرار : وغبره تهجير ركب يلفّهم * سموم أتت دون العجائب تلفح « 2 »
--> ( 1 ) الإيغال : التوغل والإمعان في السير ، ويقال أيضا غذ إغذاذ السير وفي السير أسرع وحثّ مطيته . ( 2 ) تلفح : تصيب الوجه وتحرقه .